مدينة نابلس وسكانها في أعين الرحالة ميشو والأخوين بوجالا

Authors: 
أ.د. يوسف نكادي
Abstract: 

شكلت فلسطين محطة من بين محطات المشرق التي شد الأوربيون إليها الرحال منذ العصور القديمة. و يبدو أن الفرنسيين مثلوا نسبة كبيرة منهم. فقد جبلوا على حب الترحال الذي غذى بعد الحروب الصليبية تقليدا من ضمن تقاليدهم. و تزايدت وتيرته ليبلغ الذروة خلال القرن التاسع عشر، حيث ارتفع عدد الرحالة و تكاثرت أدبيات الرحلة؛ حتى أن أحد الباحثين المعاصرين خص الذين قاموا من الفرنسيين برحلات إلى المشرق خلال هذه الحقبة التاريخية بأنطلوجية تجاوزت ألفا ومائة صفحة .
و من المفيد التذكير في هذا المقام بأن تسمية "الشرق" (l’Orient) الواردة في عناوين مؤلفات الرحالة الفرنسيين كانت تطلق خلال القرن التاسع عشر على المجال الجغرافي الممتد على سواحل شرق البحر المتوسط ؛ و يشمل اليونان و تركيا و سوريا و فلسطين و مصر. و تمثل مدينة القسطنطينية مركز هذا المجال.
و قد شد الرحال إلى المشرق (الشرق) رحالة فرادى و جماعات، منهم الحجاج و المبشرون و التجار. و انضم إليهم نفر من الأدباء و المفكرين، الدين تجشموا عناء السفر إلى هذه البقاع تحذوهم الرغبة في زيارة الأماكن المقدسة و في تحقيق المعرفة و إشباع النزوات. و لكن سرعان ما أصبحت هذه المعرفة تنحو منحى الايديولوجيا التي أخذت تميز الفكر الكلنيالي الفرنسي مع تنامي المد الاستعماري.
و من بين أشهر الأدباء و رجال الفكر الذين زاروا المشرق خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، و أدرجوا فلسطين ضمن مسار رحلاتهم، الروائي و الأديب فرانسوا- روني دو شاتوبريان (François-René de Châteaubriant) الذي قام برحلة إلى المشرق سنة 1806 ، و حل بفلسطين في شهر أكتوبر من السنة المذكورة، و الشاعر الروائي ألفونس دو لامارتين (Alphonse de Lamartine) الذي زارها في أكتوبر 1832 في إطار رحلته إلى المشرق بين سنتي 1832 و 1833 ، و الكاتب الروائي غوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) الذي قام هو الآخر بزيارة فلسطين في غشت 1850 خلال رحلته إلى المشرق بين أواخر سنة 1849 و مطلع سنة 1851 .
و في هذا الإطار تندرج أيضا الرحلة التي قام بها جوزيف- فرانسوا ميشو (Joseph-François Michaud) رفقة مساعده جون جوزيف- فرانسوا بوجولا (Jean Joseph-François Poujoulat)، و الرحلة المكملة لها، التي قام بها باتستان بوجولا (Baptistin Poujoulat)، أحد إخوة جون جوزيف- فرانسوا. و هاتان الرحلتان، اللتان قام بهما، هذه المرة، مفكرون يشتغلون بصناعة التاريخ، هما اللتان يهمنا أمرهما في هذا العرض، على اعتبار أن الرحالة الذين قاموا بهما زاروا مدينة نابلس و دونوا معلومات و معطيات غزيرة نسبيا عنها و عن سكانها تضمنتها المذكرات التي نشروها عقب الرحلتين في صيغة كتابين من عدة أجزاء؛ يعرف الأول "بمراسلة من الشرق" Correspondance d’Orient) ) و يعرف الثاني "بسفر في آسيا الصغرى" Voyage dans l’Asie mineure) ). و من هذا المنطلق يعتبر الكتابان وثيقة هامة و يكتسيان قيمة بالغة بالنسبة للباحث في تاريخ مدينة نابلس ومحيطها خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.
سنحاول في شق أول من هذا العرض، التعريف بالرحالة الثلاث، و التعريف بالكتابين و التطرق إلى السياق الذي تمت فيه الرحلتان إلى فلسطين. ثم سنستعرض في شق ثان معالم الصورة التي قدمها الرحالة عن مدينة نابلس و عن سكانها.